ألا يمكن لجماعة دينية متطرفة أن تتحوّل؟ فهم تحوّلات هيئة تحرير الشام والجولاني

نُشر هذا المقال لأول مرة باللغة التركية في 23.12.2024

هناك العديد من الجماعات الدينية المتطرفة في تاريخ التطرف الديني التي نشأت وتطوّرت في مرحلة ما بعد الاستقلال في دول العالم الإسلامي، ورأت استخدام العنف وسيلة لتحقيق التغيير. إلّا أن من النادر أن تشهد إحدى هذه الجماعات تحولا بدافع البراغماتية السياسية. وبلا شك أن من أهم أسباب عدم الانخراط في مراحل التحولات السياسية هو أن هذه المجموعات تضطر في كثير من الأحيان إلى التموضع بجانب الكتل السياسية التي تطالب بالتغيير ضد النظام القائم، أي أنها تقف في جبهة المعارضة. ويبدو أن من هو داخل هذه الجماعات، يمكنه تفهّم عدم تحّولها وهي التي لم يتح لها الفرصة لاختبار تجربتها في الحكم والسلطة، وكانت دائما تقف على جبهة المعارضة، وكثيرا ما كانت موجودة في مناخ سياسي غير ديمقراطي. لأنه من وجهة نظر الفاعل السياسي، فإن امتلاك المرونة الأيديولوجية والقدرة على التصرف بشكل براغماتي؛ هو أمر مرتبط بشكل مباشر بأمل وانتظار مجيء الفرصة من أجل إبداء الرأي على الساحة السياسية، وجذب الجماهير إلى صفّه والبقاء في تلك الساحة لفترة طويلة. لكننا نحن نشهد في هذه الأيام قصة تحوّل حركة دينية متطرفة وزعيمها الذي نال هذا الأمل والفرصة.

إن هيئة تحرير الشام الجماعة التي سيطرت على العاصمة دمشق وأسقطت النظام في سوريا جراء سلسلة أحداث مثيرة جرت في ديسمبر/ كانون الأول 2024، وزعيمها أبو محمد الجولاني، هو مثال على هذا التحوّل. في واقع الأمر، الجماعة التي يقودها الجولاني هي ليست سوى واحدة من بين العديد من حركات المعارضة المسلحة التي ظهرت نتيجة محاولات قمع النظام للاحتجاجات السلمية التي خرجت ضده باستخدام العنف غير المتكافئ. حتى أننا لو قمنا بمقارنة الجولاني وحركته بمجموعات المقاومة المؤثرة الأخرى مثل أحرار الشام وجيش الإسلام وزعمائهم الذين يمتلكون كاريزما عالية مثل زهران علوش وحسن عبود وكانت ذات تأثير كبير خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، سنرى أن الجولاني وحركته ظلّوا لفترة طويلة في موقع هامشي ومتطرف وبالتالي لم يتمكنوا من رسم انطباع يمكنّه أن يتحمل مسؤولية قيادة الثورة. ولكن عندما فشلت هذه المجموعات المؤثرة في البداية وزعماؤها أصحاب الكاريزما العالية في مواصلة وجودهم على الساحة، فإن الجولاني الذي شارك في البداية في ساحات الحرب بقرارات هامشية مثل الانتماء إلى القاعدة، برز في نهاية المطاف باعتباره الزعيم الذي حقق نجاح الثورة في سوريا. فكيف نفهم الديناميّات الأساسية لتحوّلات الجولاني التي لعبت دورا حاسما في تحوّله من الأكثر هامشية بين حركات المعارضة في البداية إلى الفاعل السياسي الأكثر تأثيرا في البلاد في نهاية المطاف؟

عندما نعود إلى الخلف ونتناول مغامرة قصة النجاح التي قادها الجولاني، سنرى صورة قائد لم يكن يرضى بالقالب الذي كان فيه منذ البداية، وكان في بحث ومحاولات مستمرة للخروج من هذا القالب. لأن قدرة الجولاني على إعلان اختلافه وانفصاله عن تنظيم القاعدة الذي كان يعتبر التيار الرئيسي للتطرف، رغم أنه في أوائل الثلاثينيات من عمره، يكشف عن شخصيته التي كانت في بحث دائم للتغيير والوصول لمبتغاه وتشير إلى أنه قادر على اتخاذ قرارات شجاعة منذ البداية. وفي الوقت نفسه، فإن المساعي المستمرة للجولاني تجعل التحوّل الأيديولوجي الذي مرّ به في السنوات الخمس الماضية أمرا مفهوما أيضا. لأن ذلك يشير إلى أن انفصاله عن الجماعات المتطرفة المذكورة لم يكن في سياق الخلافات التنظيمية فحسب، بل كان أيضا بسبب الاختلاف الأيديولوجي الذي بدأ يظهر عليه في السنوات التالية. من جانب آخر، وفي إطار شخصيته الساعية للوصول لهدف المنشود، فإن اكتسابه قليلا من الخبرة في إدارة الدولة عندما كان يدير إدلب بعد عام 2017، تلفت الانتباه كعنصر آخر يمكن قبوله كأساس في فهم التحوّل الذي شهدته حركة دينية متطرفة وزعيمها.

تظهر كل هذه العناصر أن التحوّلات التي شهدها الجولاني وجماعته هيئة تحرير الشام ترتكز على عاملين رئيسيين. الأول هو شخصية زعيم الحركة الذي يسعى بشكل دائم إلى تحقيق ثورة بما في ذلك التحوّل الأيديولوجي، أمّا الثاني والأهم من ذلك، هو أن هذه الحركة وزعيمها أدركا أهمية الدعم المجتمعي للسلطة السياسية وتبنّي فهم أيديولوجي مرن للحفاظ على هذا الدعم وتوسيعه، وذلك بعد أن دخلا في ممارسة عملية لإدارة السلطة بعد عام 2017. وإضافة إلى ذلك، ساهمت هذه الممارسة الإدارية إلى فهم أهمية قبول الجهات الفاعلة الدولية في سياق الوجود في المستقبل السياسي للبلاد، ويبدو أن هذا الوضع أدّى إلى تطوّر نحو المرونة على المستوى الأيديولوجي.

ولو أخذنا بعين الاعتبار الطابع الإقصائي العقائدي للفكر السياسي للتطرف الديني في العالم الإسلامي، فإن من الأهمية البالغة بمكان أن نكون قادرين على فهم التحوّل الذي شهدته هيئة تحرير الشام وزعيمها بشكل بعيد عن الافتراضات المتداولة. في الحقيقة، عندما ننظر إلى التصريحات التي أصدرتها هيئة تحرير الشام على المستوى المؤسساتي والجولاني على المستوى الفردي خلال الأيام الأخيرة بشأن قضايا معينة، يمكننا أن نرى بكل وضوح أن هذه التصريحات لا تتوافق مع أي وضع في تاريخ الفكر الديني المتطرف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه التصريحات تشير إلى أن الجولاني شهد تحولا أيديولوجيا من الخط السلفي المتطرف المتشدد إلى خط فكري إسلامي أساسي أكثر براغماتية ومرونة.

dini-radikal-bir-grup-donusemez-mi-htsnin-ve-el-claninin-donusumunu-anlamlandirabilmek

Yorumlar

Bir yanıt yazın

E-posta adresiniz yayınlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir